الشنقيطي

280

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

قال ابن القصار المالكي : إن النبي صلّى اللّه عليه وسلم صلاها في عشرة مواضع . وقال ابن العربي المالكي : روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه صلى صلاة الخوف أربعا وعشرين مرة . قال مقيده - عفا اللّه عنه - الذي يظهر واللّه تعالى أعلم ، أن أفضل الكيفيات الثابتة عنه صلّى اللّه عليه وسلم في صلاة الخوف ، ما كان أبلغ في الاحتياط للصلاة والتحفظ من العدو . تنبيهان الأول : آية صلاة الخوف هذه من أوضح الأدلة على وجوب الجماعة ؛ لأن الأمر بها في هذا الوقت الحرج دليل واضح على أنها أمر لازم ؛ إذ لو كانت غير لازمة لما أمر بها في وقت الخوف ؛ لأنه عذر ظاهر . الثاني : لا تختص صلاة الخوف بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم بل مشروعيتها باقية إلى يوم القيامة ، والاستدلال على خصوصها به صلّى اللّه عليه وسلم بقوله تعالى : وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ [ النساء : 102 ] الآية . استدلال ساقط . وقد أجمع الصحابة وجميع المسلمين على رد مثله في قوله : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ [ التوبة : 103 ] الآية . واشتراط كونه صلّى اللّه عليه وسلم فيهم ، إنما ورد لبيان الحكم لا لوجوده ، والتقدير : بين لهم بفعلك ؛ لكونه أوضح من القول كما قاله ابن العربي وغيره ، وشذ عن الجمهور أبو يوسف والمزني وقال بقولهما الحسن بن زياد واللؤلؤي وإبراهيم بن عليه فقالوا : إن صلاة الخوف لم تشرع بعده صلّى اللّه عليه وسلم واحتجوا بمفهوم الشرط في قوله : وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ الآية . ورد عليهم بإجماع الصحابة عليها بعده صلّى اللّه عليه وسلم ، وبقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « صلّوا كما رأيتموني أصليّ » « 1 » وعموم منطوق هذا الحديث مقدم على ذلك المفهوم . تنبيه : فإن قيل : قد قررتم ترجيح أن آية وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ [ النساء : 101 ] في صلاة الخوف لا صلاة السفر ، وإذن فمفهوم الشرط في قوله : وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ يفهم منه أن صلاة الخوف لا تشرع في الحضر . فالجواب : أن هذا المفهوم قال به ابن الماجشون ، فمنع صلاة الخوف في الحضر ، واستدل بعضهم أيضا لمنعها فيه بأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لم يصلها يوم الخندق ، وفات عليه العصران وقضاهما بعد المغرب ، وبأنه صلّى اللّه عليه وسلم لم يصلها إلا في سفر ، وجمهور العلماء على أنها تصلى في الحضر أيضا ، وأجابوا بأن الشرط لا مفهوم مخالفة له أيضا ؛ لجريه على الغالب كما

--> ( 1 ) أخرجه عن مالك بن الحويرث : البخاري في الأدب حديث 6008 ، والأذان حديث 631 ، وأحمد في المسند 5 / 53 ، والدارمي في الصلاة 1 / 286 .